محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
92
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
والقدر اللازم من شكر المنعم ما قاله الجنيد رضي اللّه تعالى عنه ، حين سأله السرّي ، رضي اللّه تعالى عنه قال الجنيد رضي اللّه عنه : كنت بين يدي السرّي ، رضي اللّه عنه ، وأنا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي : يا غلام ، ما الشكر ؟ فقلت : « أن لا يعصى اللّه بنعمه . فقال : يوشك أن يكون حظّك من اللّه لسانك » ، فلا أزال أبكي على هذه الكلمة . خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه ، أن يكون ذلك استدراجا لك : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . الخوف من الاستدراج بالنعم من صفات المؤمنين ، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفات الكافرين ، يقول : من أمارات الاستدراج ركوب السيئة والاغترار بزمن المهلة ، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة ، وهذا من المكر الخفيّ ، قال اللّه تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ الأعراف : 182 ] . أي لا يشعرون بذلك ، وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء ، وليسوا كذلك ، ليستدرجهم شيئا فشيئا حتى يأخذهم بغتة ، كما قال تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ . . * [ الأنعام : 44 والقلم : 44 ] إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ، أي : فتحنا عليهم أسباب العافية وأبواب الرفاهية حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الحظوظ الدنيوية ، ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ، أي : فجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ أي : آيسون قانطون من الرحمة . قال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه ، في قوله تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * « نمدّهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها ، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا » . وقال ابن عطاء اللّه : « كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة ، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة » . من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه ، فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ، ولو لم يكن إلا منع المزيد وقد يقام مقام العبد وهو لا يدري ، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد . هذا نوع من الاستدراج الذي تقدّم ذكره ، وسوء أدب المريد موجب لعقوبته ، ولكن العقوبات مختلفة ؛ فمنها معجّلة ، ومنها مؤجلة ، ومنها جليّة ، ومنها خفيّة ؛ فالعقوبة الجلية : العقوبة بالعذاب ، والعقوبة الخفية : العقوبة بوجود الحجاب ، فالعقوبة